الخميس - ورد أقل

 الممشى العريض


لم أختر يومًا عنوان نص قبل كتابته، ولم يُغريني اختيار عنوان مقتبس من النص - حرفياً - أو حتى اقتباس عنوان من مكان ما، لطالما آمنت أن النص يختار اسمه، تمامه أو نقصه، أن يُحبس في فضاء ضيّق، أو يُنشر..


لكن اليوم شعرت بخلاف ذلك وأنا استمع لأغنية مُصطفى سيد أحمد "الممشى العريض"، الأغنية التي كتب كلماتها الراحل عبد العزيز العميري..


أُبحر في متن حكايتنا، وأحاول أن ألفظها، أن أُأرخ سيرة الشرخ التي وعدت نفسي بها، لم تُكتب مُحاولات خَطوك تجاهي في الممشى العريض، كُتبت على الهواء، كان نسيمًا مر على خاطري حين "ترآءى لي هواك كما ترآءى لمختنقٍ هواء مستحيل"، حينها فقط ضحكت ما هماني شيء، وبكيت ما هماني شيء، وقفت عندك من المشي، ولم أغرق في ضوء النهار، غرقت في ظلمة ليل حالك، مازلت أتخبط مُحاولةً الخروج منها، سقطت في كأس حُبك كُلي، كاملةً، بما عرفته وألفته عن نفسي، و بنفسي التي قبعت بداخلي لأعوام ولم أعرفها، بكل ما فيّ..


لم يكن لك ذنب بكل هذا، ربما كان عليّ أن أُحب أقل لأسعد أكثر، لكن أظن أنني ولدت بهذا الطبع، إن أردت المضي في أي طريق، أخرج له بكل مافيّ، عاريّة من المجاز والزينة، لا زاد في كفيّ، ولا مفتاح للبيت الذي خرجت منه، لا شيء، أرمي بنفسي هكذا في الطريق.. 

ولطالما تلقفتني الطرقات، أطعمتني الحُلو والمُر، وسَقتني العذب والمالح، زينتني بالمجاز الذي أعماني عن الحقائق، وقدمّت لي مفاتيح بيوت لا تصلح للسكنى، فقمت أنا بتحويل كل هذا لحياة، لكن طريقك لم يفعل!


طلبتُ الدفء فازددت بردًا، طلبت الأُلفة فزادت الوحشة والغربة، وعندما شعرت بالعطش منحني دربك خمرًا أفقدني الوعي بعمق خسارتي، تفرع الدرب وتشعب، وكثرت البيوت التي لا باب لها، سكن البرد أضلعي، وأنهك الخمر جسدي، وفي ليلة قرر هذا الدرب أن يمنحني ماءً عذبًا صافيًا، وبابًا موارِبًا، وطعام لا يسد الجوع لكنه يجعل الإستمرار في الحياة ممكنًا، شربت وأكلت، وبقيت هكذا، في منتصف كل شيء، حتى أنا لم أعد كاملة كما دخلت دربك، لم تُكمل معي الدرب إلا نفسي الأخيرة!

تلك النفس التي وجدتها بعد أن عرفتك، ولأن الحياة - بالنسبة لي على الأقل - مستحيلة بنصف نَفس، ونصف عقل، وباب موارب، ونصف شبع ونصف ريّ..

خرجت في تلك الليلة من الباب الموارب، دون أن أحمل أي شيء من دربك، خرجت لا ألوي على شيء، بغير وجهة آوي إليها، وجدت نفسي الأولى، أصبحت كاملة، بعد ذلك، لا تُهمني نتائج  هذا الخروج..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الثلاثاء الضائع

الثلاثاء- في وسط المحيط

السبت - أحب، أشتاق، أصبر وأغضب